فانظر يا هذا، فإنه لو اجتمعتْ قُوَى الكون فجاءت يَشُدُّ بعضُها بعضًا فنزلت في عبارة من الكلام لتملأ نفوس المؤمنين بقوَّتها، لما وضعت إلا هذا الوضع من هذا التمثيل بأمشاط المسامير، وأسنان المنشار في عظم الإنسان الحي ولحمه، وظاهر التمثيل على ما رأيت من العَجَبِ، ولكنَّ له باطنًا أَعْجَبَ من ظاهره، وهو البلاغة كلُّ البلاغة، والبيانُ حقُّ البيان فإنَّما يريد - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الحديد لا يأكل، ولا يمزع من أولئك الأقوياء بإيمانهم عظمًا، ولحمًا، وعصبًا؛ بل هو حديد يأكل حديدًا مِثْلَهُ، أو أَشَدَّ منه؛ فإنَّ للروح المؤمنةِ المُسَلَّطَةِ على جِسْمِها قُوَّةً تَصنع هذه المعجزةَ؛ فيَمُرُّ الحديد في العَظْم واللحم والعَصَب، يَسْلُبُها الحياةَ، ولكنها تَسْلُبُهُ شِدَّتَهُ، وجَلَدَهُ، وصَبْرَهُ!.
السمو الروحي الأعظم والجمال الفني في البلاغة النبوية
مصطفى صادق الرافعي
0 Comments: