-------------------
تعد معركة اليرموك واحدة من أعظم ملاحم المسلمين على الإطلاق حيث واجه المسلمون، باعتبارهم قوة فتية،واحدة من أعظم القوتين اللتين بسطتا نفوذهما على العالم وقتها: إنها الإمبراطورية الرومية أو البيزنطية، حيث نتج عن صدام اليرموك القويانهاء الوجود الروماني في أرض الشام، وتغيير المعادلات وموازين القوى في المنطقة.
بعد الانتهاء من حروب الردة وتسيير خالد من اليمامة إلى العراق في سنة 13هـ جهز أبو بكر الصديق الجيوش إلى الشام، فنزل أبو عبيدة بن الجراح الجابية على طريق دمشق، ونزل يزيد بن أبي سفيان البلقاء مهدداً بصرى، ونزل شرحبيل بن حسنة الأردن بأعلى الغور فوق طبرية ونهر الأردن، وقيل نزل في بصرى، أما عمرو العاص فقد وصل إلى وادي عربة. كل على رأس جيش رضوان الله عليهم.
فأدرك هرقل زعيم الروم خطة المسلمين وكان حكيمًا عاقلاً كاد أن يسلم عندما وصلته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه آثر سلطانه ومنصبه، فجاء من حمص ، وأعد الجند ، وجمع العساكر ، وأراد أن يشغل قواد المسلمين بعضهم عن بعض لكثرة جنوده ، و أراد أن يحاربهم متفرقين ،فأعد مجموعة جيوش ضخمة، كل واحد منها يفوق الجيش المسلم الذي سيقابله، فعظم الخطب على المسلمين، إذ إن إجمالي الجيوش المسلمة الأربعة سبعة وعشرون ألفًا، في حين أن جيوش الرومان بلغت أربعين ومائتي ألف، فكتبوا إلى الخليفة أبي بكر الصديق يطلبون المدد و المشورة فأشار عليهم بالتجمع في جيش واحد.
فبلغ ذلك هرقل وكتب إلى بطارقته أن اجتمعوا لهم، وانزلوا بالروم منزلاً فسيحاً فيه ماء، ويكون ضيّق المهرب لجنوده، وجعل على الناس "التذارق"، وعلى المقدمة "جرجة"، وعلى مجنبتيه "باهان"و"الدراقص"، وعلى الحرب "الفيقار" وكانوا من قادة الرومان، ففعلوا فنزلوا الواقوصة-وهي على ضفة اليرموك -، وصار الوادي خندقاً لهم، فقال عمرو: أيها الناس أبشروا، حصرت الروم وقلما جاء محصور بخير، إذ أن الروم تتحرك في منبطح فسيح من الأرض تحيط به من ثلاث جهات الجبال المرتفعة، فهم محصورون.
وكتب أبو بكر الصديق إلى خالد ليلحق بهم من العراق، وقد قال في ذلك: خالد لها، والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد.
وقطع خالد المسافة بجيشه في خمسة أيام في خطوة في غاية الجرأة والشجاعة حيث اخترق صحراء قاحلة محرقة لا يجسر أحد على اختراقها ليختصر المسافة الطويلة لأقل من نصف الوقت، وفرح المسلمون بخالد، واشتد غضب الروم بمجيئه، وقال هرقل لقواده: أرى من الرأي أن لا تقاتلوا هؤلاء القوم، وأن تصالحوهم،فوالله لأن تعطوهم نصف ما أخرجته الشام، وتأخذوا نصفه، وتقر لكم جبال الروم، خير لكم من أن يغلبوكم على الشام، ويشاركوكم في جبال الروم، ولكنهم أبوا.
واتخذ الطرفان استعداداتهما، الروم في أربعين ومائتي ألف، منهم ثمانون ألفاً مقيدين بالسلاسل كي لا يفروا من المعركة، والمسلمون سبعة وعشرون ألفاً ممن كان مقيماً، إلى أن قدم إليهم خالد في تسعة آلاف فبلغوا ستة وثلاثين ألفاً، ومرض الصديق في هذه الأثناء وتوفي للنصف من جمادى الآخرة قبل الفتح بعشر ليال.
وعرض خالد على الأمراء أن يكونوا جيشاً واحداً ويتداولوا الإمارة يوماً بعد يوم، فوافقوا وأمّروه هو أولاً، وعلم خالد أن القتال كل بفرقته سيطول، وفيه إضعاف للجهود فعبأ الجيش وقسمه إلى أربعين كردوساً [أي: كتائب كبيرة] كل كردوس ينقسم إلى: قلب وميمنة وميسرة، وجعل القاضي أبا الدرداء، والقاص أبا سفيان، وعلى الغنائم ابن مسعود، وقارئ سورة الأنفال المقداد بن عمرو، وأعطى النساء في مؤخرة الجيش سيوفًا يضربن بها الفارين من أرض القتال، وشهد المعركة ألف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأمر خالد الكراديس كلها أن تنشب القتال، وحينئذ وصل البريد إلى خالد بوفاة أبي بكر الصديق وتأمير أبي عبيدة فأخذ الكتاب وجعله في كنانته وخاف إن أظهر الأمر أن يضعف معنويات الجند.
ودارت رحى حرب لم يذق أو يخض الرومان مثلها، فقد كان القتال في اليرموك على أشده وثبت كل من المسلمين والرومان يومها ثباتًا عظيمًا، ففي اليوم الأول زحف الروم بأعدادهم الكثيرة فردهم المسلمون، وفي هذا اليوم كثرت الجراح من كثرة السهام، واعورّ من المسلمين سبعمائة فارس، فسمي ذلك اليوم يوم التعوير، وفي اليوم الثاني وقف عكرمة وقال: من يبايع على الموت؟ فبايعه أربعمائة من الرجال، فقاتلوا حتى أصيبوا جميعاً بجراحات، ودامت المعركة يوماً وبعض اليوم، وكان الهجوم الأخير عاماً على الروم، واقتحم خالد وجيشه خندق الروم فتساقطوا في الوادي، وكانوا نحو ثمانين ألفاً.
وقاتلت نساء المسلمين بشجاعة كان من أبزر أمثلتها "أسماء بنت يزيد الأنصارية" التي قتلت تسعًا من الروم بعمود خيمتها.
ولعل من أبرز المشاهد التي لا تنسى في معركة اليرموك،إسلام أحد قادة الروم وكان يدعى "جرجة" أو جورج بن تيدور حيث انضم إلى جيش المسلمين وقاتل اخوة الأمس حتى كتب الله له الشهادة في سبيله.
وانتهت المعركة باستشهاد ثلاثة الآف من المسلمين، وقتل من الروم مائة وعشرون ألفا.
وبعد المعركة أعلن خالد مضمون الكتاب، واعتزل الإمارة،وولاها مكانه أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم أجمعين.
وارتحل هرقل من حمص مودعاً سورية وداعه الأخير،وقال:"سلام عليك ياسورية، سلاماً لا لقاء بعده". فهزيمة الروم المدوية كسرت عمودهم الفقري ببلاد الشام، وتساقطت بعدها المدن والحصون الشامية.
0 Comments: